| Titre | Page début | Page fin | Etat | Actions |
|---|
اقتصرت في هذه الدراسة المتواضعة على التطرّق للفوائد الصحيّة للصيام على البدن، بل اكتفيت بوضع تحت مجهر التحقيق العلمي والتدقيق الموضوعي ما توصّلت إليه العلوم الطبيّة في أحدث نتائج أبحاثها، والتجارب الكلينيكيّة السريريّة في أهمّ باكورة أعمالها. قادني ذلك إلى رحلة معرفيّة قِمّة في الإبداع، وغاية في الدقة والإتقان ثبت من خلالها، بما لا يدعو للشك، أن الصيام يُستعمَل علاجا لحالات مرضيّة كثيرة، ووقاية من حالات مرضيّة أكثر.
" صُـومُـوا تَـصِـحّـُوا " ( ) حديث نبويّ جليل من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وآله، بل من أجمع جوامع كَلِمِه حيث يتكوّن من كلمتين خفيفتين في التلفظ يصيب بهما معانٍ جليلة وجواهر نفيسة لا تفي مجلدات في شرحها ولا مصنفات في بيان مضامينها. نجد الحديث النبوي الشريف في المدوّنة الحديثية لجميع المدارس الإسلاميّة. يَعتبِر رجال حديث المدرسة السنيّة أن هذا الحديث ضعيف السند إلا أنه قويّ المتن والمعنى، مرويّ عن جماعة من الصحابة، أخرجه الطبراني في " الأوسط " (ج8، ص213، ح 8312)، والعقيلي في "الضعفاء " (ج2، ص92)، وابن عدي في "الكامل " (ج2، ص357 وكذلك ج7، ص57) وأبو نعيم، وضعّفه العراقي في "تخريج الإحياء" (ج3، ص115)، والشوكاني والألباني. يعاضده حديث لابن عباس، رضوان الله تعالى عليه، أخرجه ابن عدي في "الكامل" قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]، " سافروا تصحّوا، وصوموا تصحّوا، واغزوا تغنموا " ( ). كما يعاضده حديث نبويّ جليل آخر يذكره جلال الدين السيوطي في " الدرر المنثور في التفسير بالمأثور " (ج1، ص437) حيث نقرأ: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: " إن الله أوحى إلى نبي من بني إسرائيل: أخبر قومك أن ليس عبد يصوم يوما ابتغاء وجهي إلا صححت جسمه وأعظمت أجره " ( ). أمّا في مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقد أورد الحديث النبوي الشريف المجلسي في " بحار الأنوار " (ج59، ص267؛ ج93، ص255)، وكذلك قطب الدين الراوندي في " الدعوات " (ج76، ص179)، وأيضا المتقي الهندي في " كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال " (ج8، ص45). يعاضده حديث للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يورده عبد الواحد التميمي الآمدي في كتابه " غرر الحِكَم ودُرَر الكَلِم - المفهرس من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام " يقول فيه: " الصيام أحد الصحتين " ( ). مهما اختلفت الآراء حول سند هذا الحديث النبويّ الشريف إلا أنه لا يمكن الاختلاف حول قوّة متنه وصحّة معناه، فللصيام آثار وفوائد روحيّة، ونفسيّة، و تربويّة، واجتماعيّة، وصحيّة وغيرها..... " صوموا تصحوا " كلمتان خفيفتان على اللسان، عميقتان في المعنى والبيان، نابعتان من مشكاة إمام الإنس والجان، جامعتان لجميع فوائد الصيام، ما وضح منها للعيان، وما غاب عن الأذهان، ولعل الذي غاب عنا أعظم مما تجلى لنا. لو عدّدنا فوائد الصيام وآثاره لأوقرنا في ذلك مجلدات ومجلدات، ولصنفنا مصنفات ومصنفات، لكننا نحاول في هذه الدراسة المقتضبة أن نقتصر على الفوائد الصحيّة للصيام، بل نكتفي من ذلك بذكر ما توصلت إليه العلوم الطبيّة الحديثة في أحدث نتائج بحوثها. حتى أكون منسجما مع ما طرحته من أفكار في مصنفاتي السّابقة، أؤكد على أنني أتبنى وأؤسس لمنهج جديد أطلقت عليه: منهج " الإعجاز القرآني في العلم " ( )، وهو منهج مخالف تماما لما يُعرف ڊ " الإعجاز العلمي في القرآن ". نعم، شتان بين المنهجين: " الإعجاز العلمي في القرآن " منهج " تصاعدي " (Démarche ascendante) ينطلق من النظريّة العلميّة ليصل إلى الحقيقة القرآنيّة، وذلك مَكْمَن الخطأ فيه. أن توظَف النظريات العلميّة – وهي نظريات ظنيّة، نسبيّة، استنتاجيّة .... – لفهم وإثبات صحة الآيات القرآنيّة – وهي آيات يقينيّة، قطعيّة، لا يعرف الظن ولا النسبيّة طريقا لها ولا تعترف بالاحتمال ولا بالضبابيّة – يُعتبَر ذلك، بحسب رأيي، تعسفا على القرآن الكريم، وخلطا يُحمّل القرآن ما لا يليق بعليائه، ولا يتماشى وسموّه، ولا يتناسب ورِفعته. كلما برزت نظريّة علميّة جديدة حاول رواد " الإعجاز العلمي في القرآن " أن يجدوا لها ما يتناسب معها من الآيات القرآنيّة، ومتى وجدوا ذلك عدوه نصرا كبيرا وفتحا مبينا..... لكن، ما أصبح من المسلمات في جميع الأوساط العلميّة أن النظريّات التي تنبثق من مخابرها تبقى نسبيّة، متحوّلة، غير ثابتة وقابلة للتفنيد. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المضمار: كيف يكون الموقف من الآية القرآنيّة الكريمة حين تُفنَد النظريّة التي حاول روّاد " الإعجاز العلمي في القرآن " قسرا إلصاق الآية بها..... ألا يعطي ذلك فكرة أن القرآن متذبذب؟ والحال أنه " لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " (فصلت : 42)..... ألا يحطّ ذلك من قيمة القرآن؟..... ألا يشكل ذلك ضررا على الإسلام المحمّدي الأصيل؟.... أمّا " الإعجاز القرآني في العلم " فهو منهج تنازلي (Démarche descendante)، بمعنى أنه ينطلق من الحقيقة القرآنيّة الثابتة، اليقينيّة والتي لا تتحوّل ولا تتبدّل، ومن السنة الإلهيّة المبثوثة في القرآن الكريم فهْمًا وتدبّرا، ليصوغ من خلالها قوانين، ويبني بها أطروحات، وافق ذلك النظريات العلميّة الحديثة أو خالفها. يرتكز " الإعجاز القرآني في العلم " على روعة القرآن الكريم، وإبداعه، ودقته، وإتقانه، حيث يُجلي مسائل أدق من أن يحيط بها علم، ويُوضّح أمورا أجل من أن يدرك كنهها فهم، ويبسط أشياء أعز من أن يدرك شأوها طمع..... مسائل وأمور وأشياء لم تتوصل العلوم الحديثة إلا لبعض قليل منها خلال القرنين الماضيين. في نفس المضمار يمكننا الحديث عن " الإعجاز النبوي في العلم "، وهي نظرة تنطلق من الحديث النبوي الصحيح لصياغة قوانين وبناء أطروحات. لا يُعتبَر ما سأعرضه ممّا توصلت إليه العلوم الطبيّة الحديثة – في أحدث نتائج بحوثها – للكشف عن الفوائد الصحيّة للصيام شكا في مصداقيّة الحديث النبوي الشريف، ولجوءًا إلى الأبحاث العلميّة لتكون فيْصلا في قطع ذلك الشك والإقناع بتلك المصداقيّة؛ بل على العكس من ذلك تماما، يُعتبَر ما سأعرضه تأكيدا على علويّة الحديث النبوي الشريف وبرهنة على عمق نظرته الاستشرافيّة، وأنه يحتمل ما لا يتناهى من الحقائق العلميّة إلى قيام يوم الدين، ويفتح آفاقا معرفيّة أخرى يمكن أن يتوصل لها بنو البشر في مستقبل الأيام؛ لذلك لا يزيد الزمان الحديث النبوي الشريف إلا تجدّدا ونضارة. نبدأ هذه الدراسة بالتطرق إلى تعريف الصيام، ثم ذِكر شيئا من حقيقته، ثم الإتيان على بيان أقسامه ومراتبه، قبل الولوج إلى عرض أحدث ما توصلت البحوث الطبيّة الأكاديميّة، والدراسات الكلينيكيّة السريريّة، من نتائج. يكون ذلك – إن شاء الله تعالى - بأسلوب يسير بعيد عن التكلف، وبلغة بسيطة بعيدة عن تعقيدات المصطلحات العلميّة التخصصيّة حتى يتسنى لغير المختصين حُسن الفهم والاستفادة. ربنا تقبّل منا هذا القليل، واجعله خالصا لوجهك، إنك عليم بذات الصدور..... اللهمّ نمِّه بمنك وادخره لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتاك بقلب سليم .... " وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " (الأحزاب: 4) " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " (هود: 88)
| Titre | ISBN | Volume |
|---|
| Titre | ISBN | Langue |
|---|