| Titre | Page début | Page fin | Etat | Actions |
|---|
Aucune donnée disponible
كانت الرحلة البحثية مع الأيقونة صليحة في كتاب «كيف صارت صلّوحة صليحة: سيرة بين ضفتين » محفوفة بأسئلة لم تفارقني، أسئلة لا تتعلق بصليحة وحدها بقدر ما تتصل بموقع المرأة في التاريخ وفي السرد معًا: هل حرية المرأة فطرية أو مكتسبة؟ وهل هي فعل ذاتي ينبع من الداخل أو «هبة »؟ وهل تحتاج المرأة إلى وسيط )مصلحين أو مؤسسات( كي تكون حرة أو إلى وعي ذاتي وإرادة تمارس بها حقها في الوجود والاختيار؟ تزداد حدة هذه الأسئلة كلما واجهتُ سرديات تختزل مسار تحرر المرأة التونسية في صورة المفكر الإصلاحي الطاهر الحداد، بوصفه المحرر الوحيد لها. والحال أن الحداد، رغم إسهامه المهم في الدفاع عن حقوق المرأة وتأطير حريتها وتقنينها ضمن تصور إصلاحي كما يتجلى في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع ،» فإنه لولا وجود نساء مبادرات، مدركات لذواتهن، ومدافعات عن كينونتهن وأدوارهن داخل المجتمع، لظل المشروع الإصلاحي معلقًا في فراغ، يفتقد الأرضية الاجتماعية التي تمنحه المعنى والفاعلية. صحيح أن كتاب الحداد صدر في ثلاثينات القرن الماضي، غير أن النضال النسوي في تونس يسبق ذلك بزمن، ويعود على الأقل إلى العشرينات، بل إلى ما قبل ذلك بكثير مرورًا بفترة انتصاب الحماية، حين انخرطت النساء في مقاومة الاستعمار جنبًا إلى جنب مع الرجال. ذلك الانخراط لم يكن مجرد فعل وطني، بل تعبيرًا مبكرًا عن وعي فطري بالذات، وعن إدراك عميق بأن المرأة إنسان كامل الحقوق، لا تابعًا ولا موضوعًا للإصلاح. ولولا هذا الوعي، لما تيسر للفكر الإصلاحي أن يجد حاضنة اجتماعية تستقبله وتتفاعل معه. ما خلصنا إليه من خلال توثيق سيرة الفنانة التونسية صليحة وقدرتها على إثبات هويتها الفنية رغم قسوة المرحلة الممتدة من قبل عشرينات القرن الماضي )فترة طفولة صليحة( إلى خمسيناته، ورغم معارضة المحيط الاجتماعي لممارستها الفن، وما نحن بصدد بنائه اليوم عبر الاشتغال على سيرة حبيبة مسيكة، يدعونا إلى ضرورة إعادة مساءلة التاريخ، لا بقصد الهدم، بل من أجل كتابته بقدر أكبر من الموضوعية والإنصاف. كتابة هادئة، رصينة، تتجنب التهويل والتقديس وتنصف الذوات النسوية بوصفها فاعلة في صناعة تاريخها لا مجرد موضوع للفعل الإصلاحي أو الأخلاقي. وما يثير الأسئلة في محاولتي التوثيقية لحبيبة مسيكة أو حبيبة الجماهير كما يلقبها الجميع ليس شخصها في حد ذاته، بقدر ما هي الصورة التي أُنتجت عنها وأُعيد إنتاجها بإجماع لافت: صورة المرأة اللعوب، التي اختُزل وجودها في جسدها وفي جمالها وفي قدرتها على الإغواء. كأن تاريخها توقف عند هذا الجسد لا بوصفه كيانًا فاعلً ومعبرًا بل باعتباره موضوعًا للنظر والحكم والسيطرة الرمزية. هذا الإجماع، الذي تشارك فيه أحيانًا كتابات نسوية، يفتح سؤا لً جوهريًا حول الكيفية التي يمكن أن تُسهم بها السرديات بوعي أو دون وعي في إعادة إنتاج المجتمع الذكوري نفسه، حتى وهي تدعي تفكيكه. يتكثف هذا السؤال أكثر عند التوقف أمام سردية مقتل حبيبة مسيكة، التي تُروى دائمًا بالصيغة ذاتها: حرقًا، مع جانٍ معلوم سلفًا، رغم إنكاره المتواصل، ورغم وجود معطيات مادية وإنسانية تسمح نظريًا على الأقل بتعدد الروايات. والمفارقة أن القصص المتناقلة شفويًا غالبًا ما تتعرض للتحوير والتشويه، في حين حافظت قصة مقتل حبيبة مسيكة على ثبات يكاد يكون مقدسًا، وكأنها حقيقة مغلقة لا تقبل المساءلة. من هنا لا يعود السؤال: من قتل حبيبة مسيكة؟ بل: لماذا نحتاج إلى هذه الرواية تحديدًا؟ ولماذا تُغلق كل الأبواب أمام غيرها؟ انطلاقًا من ذلك، لا تقترح هذه المحاولة سردًا بدي لً بقدر ما تقترح تفكيك السردية السائدة، والاقتراب من حياة حبيبة مسيكة ضمن أفق إنساني وفلسفي يعترف بتعقيد الذوات، ويقاوم اختزال النساء في أدوار جاهزة وصور نمطية. إنها محاولة لقراءة التاريخ النسوي لا بوصفه سجل ضحايا، بل باعتباره فضاء للصراع على المعنى، وعلى الحقيقة. وحين أوثق لحبيبة مسيكة، لا أفعل ذلك من موقع امرأة تدافع عن امرأة، بل من موقع إنساني نقدي يسائل الروايات الجاهزة، بحثًا عن صورة أكثر عدلً، وأكثر وضوحًا، وأكثر قربًا من الحقيقة.
| Titre | ISBN | Volume |
|---|
| Titre | ISBN | Langue |
|---|